المنهج الرقمي لموسيقى الشعر

أسُس الموسيقى في الشعر
الأساس الأول: الحركة والسكون

==== إقتباس - خشان
العروض كالموسيقى كلاهما جهاز لقياس الأصوات لا الكلمات ولا اللغة أو اللغات. وقد اعتاد العرب تدوين موسيقاهم بمصطلحات العروض.

تصور أنك تطرق الطاولة بيدك طرقة واحدة وتتوقف. ستسمع صوتا شبيها بلفظ (طَبْ). وهذا أقل الأصوات المستقلة الممكنه خارج اللغة. ولو أمعنت النظر ستجد أنه يتكون من الطرقة والصمت الذي يعقبها. ولو رمزنا إلى الطرقة بالرقم (1) وإلى الصمت بالسكون (ه) هاء صغيرة لأصبحت كل من الطرقة ولفظة (طَبْ ) = 1 ه = 2 لأنها تتكون من مُكَوَِنَيْن اثنين هما الطرقة أو المتحرك (طَ=1) والصمت أو السكون أو الساكن (بْ = ه) ولكن لو طرقت الطاولة طرقتتين متتاليتين فإنك ستسمع صوتا يحكي لفظة ( طَطَبْ) لاحظ أنَ (طَ=1) لا وجود مستقلا لها في أي سياق كلامي أو صوتي متصل، لأن الأمر لا يعدو أن يكون أحد اثنين إما صمت أو سكون فتكون في سياق ( طَبْ =1ه=2) أو أن

يكون بعدها متحرك كما في (طَطَبْ) حيثًُ طَ= 1 ، طَبْ = 1ه=2 إذا عرفت هذا فأنت اكتسبت المهارة الأساسس في العروض وربما في الموسيقى.

بقي أن أقول إن لك أن تجمع 1 و2 على أنهما 3
==== انتهى الاقتباس

فأساس التنظير لموسيقى الشعر هو حركة وسكون الحروف وهو يختص بما نسمعه لا بما نكتبه من كلمات فحدود الكلمة ليست هي حدود الموسيقى. ويبدأ الكلام دائما بمتحرك ويجب أن ينتهى بساكن. ويتفق في هذا كل الكلام سواء كان نثرا أو شعرا، غير أن الشعر يتميز بوجود الإيقاع الذي يتكرر بشكل منتظم ترتاح له الأذن ويؤثر في النفس. وقد تجد إيقاعات في الكلام المنثور ولكن هذه الإيقاعات لا تتقيد بنظام معين.

==== اقتباس
قال واتس دانتون في دائرة المعارف البريطانية
الشعر هو التعبيير المادي والفني للفكر الإنساني بلغة عاطفية ذات إيقاع.
==== انتهى الاقتباس

للتعرف على الإيقاع الموجود في النص يتم تحويل الكلمات وفقا إلى ما نسمعه، وليس وفقا لقواعد الكتابة الإملائية، إلى سلسلة من المتحركات والسواكن ويرمز للمتحرك بالرمز (|) أي واحد وللساكن بالرمز (ه) أي صفر. وكما نرى فهذا هو بالضبط نظام الترقيم الثنائي الذي يستخدمه الكمبيوتر في تمثيل كل المعلومات والبيانات.
ويتكون الإيقاع الموسيقى من تكرار نسق معين من الحركة والسكون بشكل منتظم في النص.

نلاحظ الفروق الآتية بين الأصوات والكتابة الإملائية:

حروف المد:
تعتبر حروف المد (الألف والياء والواو) من السواكن فمثلا كلمة تَعَالَ تتحول صوتيا إلى (||ه|)، أي متحركان فساكن فمتحرك. وكلمة (شَدِيدُ) تتحول إلى (||ه|). وكلمة (قُلُوبُ) تتحول إلى (||ه|). ونلاحظ أن الكلمات الثلاثة كلها متشابهة صوتيا (موسيقيا) رقم اختلاف الحركة من فتحة إلى كسرة إلى ضمة واختلاف حروف المد بين الألف والياء والواو. كما يوجد حروف مد لا تكتب مثل (آ) في كلمة (آمَنَ) فتكتب صوتيا (أامَنَ) وتتحول للرمز الثنائي (|ه||).

همزة الوصل:
ليس لها وجود صوتيا رغم كتابتها، فمثلا (عِلْمُ الْعَرُوضِ) تكت صوتيا (عِلْمُلْعَرُوضِ). نلاحظ اختفاء همزة الوصل (ا) في كلمة العروض كما نلاحظ اختغاء الفاصل بين الكلمتين. وتتحول الكلمتين موسيقيا إلى (|ه|ه||ه|).

التنوين:
يعتبر التنوين سماعيا حرفين رقم كتابتها حرفا واحدا. فمثلا (كِتَابٌ) تكتب صوتيا (كِتَابُنْ) وتتحول إلى الرقم الثنائي (||ه|ه). أي أن الحرف المنون هو حرفان صوتيا، الأول متحرك والثاني ساكن.

الشدّ:
يعتبر الشدّ حرفان من الناحية الصوتيه أولهما ساكن وثانيهما متحرك. فمثلا كلمة (عَلَّمَهُ) تكتب صوتيا (عَلْلَمَهُ) ويرمز لها بالرقم الثنائي (|ه|||).

الحروف المخبوءة:
هي حروف مد لا تكتب ولكنها تظهر صوتيا مثل اسم الإشارة (هَذَا) فتكتب صوتيا (هَاذَا) أي (|ه|ه). كلمة (ذلك) تكتب صوتيا (ذالك) أي (|ه||).

الحروف الزائدة:
هي حروف تكتب ولكنها لا تلفظ مثل ألف الجمع في كلمة (إعْمَلوا) فالألف الأخيرة ليس لها تأثير صوتي ولذا يكون التمثيل الثنائي لهذه الكلمة هو (|ه||ه).

الإشباع:
إذا انتهى الكلام بحرف متحرك فإننا نضيف حرف مد إليه وفقا لحركته ويسمى ذلك إشباعا. وقد يأتي الإشباع في وسط الكلام عند وجوب الوقوف على حرف متحرك.


تطبيقات:

لنأخذ مثلا هذا البيت من الشعر للإمام على

إنَّ الدُّنْيا قَدْ غَرَّتْنا * وَاسْتَهْوَتْنا وَاسْتَلْهَتْنا

نكتب تسلسل الحركة والسكون فيكون كما يلي
|ه|ه|ه|ه|ه|ه|ه|ه * |ه|ه|ه|ه|ه|ه|ه|ه

ونلاحظ توالي النسق (حركة وسكون: |ه) بشكل منتظم ويتكرر في الشطر ثماني مرات. ويشكل هذا النسق بحرا من بحور الشعر يسمى البحر الخببي وهو بحر غير خليلي.

مثال آخر للشاعر أبو القاسم الشابي

وَقالَتْ لِىَ الأرْضُ لَمّا تَسَاءَلْــ * ـتُ يا أمّ هَلْ تَكْرَهِينَ الْبَشَرْ
||ه|ه||ه|ه||ه|ه||ه|ه * ||ه|ه||ه|ه||ه|ه||ه

ونلاحظ أن النسق الثنائي (||ه|ه) يتكرر بانتظام ويتكون الشطر من تكرار هذا التشكيل الثنائي أربعة مرات (باستثناء حذف النسق |ه من رابع تشكيل في الشطر الثاني). ويشكل هذا الإيقاع المنتظم ما يعرف ببحر المتقارب وهو أحد البحور (أوزان الشعر) الخليلية.

مثال ثالث من الشعر الحر للشاعر صلاح عبد الصبور:

جارَتِي مَدّتْ مِنَ الشُّرْفَةِ حَبْلاً مِنْ نَغَمْ
نَغَمٌ قاسٍ رَتِيبِ الضَّرْبِ مَنْزُوفِ الْقَرَارِ
نَغَمٌ كَالنَّارْ

|ه||ه|ه - |ه||ه|ه - | ||ه|ه - |ه||ه
| ||ه|ه - |ه||ه|ه - |ه||ه|ه - |ه||ه|ه
| ||ه|ه - |ه ه

نلاحظ هنا تكرار النسق (|ه||ه|ه) بشكل منتظم إلا أنه يأتي أحيانا بتحوير خفيف مثل (|||ه|ه) حيث حذف الساكن الثاني وهذا التحوير مقبول في أوزان الشعر. وهذا النسق يشكل ما يسمى ببحر الرمل.

ومن الشعر النبطي ينشد الشاعر:

يـا واثـقٍ بالغـرب بانـت نوايـاه * مالـه صديـق ولا ضميـرٍ يناديـه

|ه|ه||ه   |ه|ه||ه   |ه||ه|ه ه
|ه|ه||ه   | |ه||ه   |ه||ه|ه ه

ويلاحظ هنا تكرار التشكيل الصوتي (|ه|ه||ه) مع تحوير في الشطر الثاني حيث يتحول التشكيل الثاني إلى (||ه||ه) وقد حذف الساكن الثاني وهو تحوير مقبول. هذا التشكيل (|ه|ه||ه) هو ميزان بحر الرَّجَز وهو أحد بحور الخليل.

ومن الشعر العامي نقرأ للشاعر محمد الرطيان

ليه
كلمـة " الموجـوع "..
يجـي آخـرها: ".. جـوع " ؟
- …………… !
ليه
كلمـة " تـقـدّم " ..
يجـي آخـرها: الـ ".. دّم " ؟
- …………… !
وش علمك
صرت
"أطرم !" ..

أنا قلت
شيء
ممنـوع ؟!


|ه ه
|ه ||ه |ه |ه ه
|ه |ه |ه |ه |ه |ه ه
- …………… !
|ه ه
|ه |ه ||ه |ه
|ه |ه |ه |ه |ه |ه
- …………… !
|ه |ه ||ه
|ه ه
|ه |ه
||ه |ه ه
|ه ه
|ه |ه ه

ونلاحظ أن التشكيل (|ه) هو الغالب وهو ما يكون بحر الخبب.

كمثال من النثر نقتطع جزءا من نص للأديب عقل العويط بعنوان كـومـيديـــا عـلـى الـطــــريــق الـدولـيـــة/الـعـصـــا الـغــلـيــظــــة.

"أرسل المرشد إشارات صارمة بجميع أعينه وأيديه وأقدامه مفادها أن الممثلين يملكون الحرية كي يواصلوا مسارهم المعلوم ويؤدوا أدوارهم بما يتناسب والهموم القومية الراهنة."

تسهيلا لتمثيل الحركة والسكون في هذا النص نُقَطّعه إلى أجزاء كما يلي:

أرسل المرشد – إشاراتٍ – صارمة - بجميع أعينه - وأيديه وأقدامه – مفادها
(|ه)||ه|ه|ه - ||ه|ه|ه - |ه||ه – (|)||ه||ه||ه – (||ه||ه)||ه|ه|ه - ||ه|ه|ه –
أن الممثلين يملكون الحرية - كي يواصلوا – مسارهم المعلوم -
(|ه|ه||ه)||ه||ه(||ه|ه|ه)|ه|ه – (|ه)||ه||ه - ||ه|(||ه|ه|ه)ه –
ويؤدوا أدوارهم - بما يتناسب - والهموم القومية - الراهنة
|(||ه|ه|ه)|ه||ه - ||ه|||ه|ه - |ه(||ه|ه|ه)|ه|ه - |ه|ه||ه

لا نتبين هنا إيقاعا محددا يتكرر بشكل منتظم إلا أن التمثيل الثنائي للحركة والسكون في النص قد تعكس نغما مع تدفق الكلمات. فالنص النثري الجميل يحوي أيضا إيقاعا ترتاح له الأذن ويؤثر في المشاعر بما فيه من موسيقى تشعر بها النفس. وقد تكون التشكيلة (||ه|ه|ه) التي تتكرر خلال النص هي سبب في هذه الموسيقى الخفية. وعموما، فإن الحركة والسكون ما هي إلا مؤشر تقريبي للموسيقى في النص الأدبي وتنبع الموسيقى في النص من معايير متعددة تتجاوز التسلسل النمطي للحركة والسكون.

Prev Next

هذا الموقع تحت الإنشاء